السيد هادي الخسروشاهي

31

جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي )

أول مسلم أيقن بخطر السيطرة الغربية المنتشرة في الشرق الاسلامي ، وتمثّل عواقبها فيما إذا طال عهدها وامتدت حياتها ورسخت في تربة الشرق قدمها ، وأدرك شؤم المستقبل وما سينزل بساحة الاسلام والمسلمين من النائبة الكبرى إذا لبث الشرق الاسلامي على حال مثل حاله التي كان عليها ، فهبّ جمال يضمي نفسه ويفني حياته في سبيل ايقاظ العالم الاسلامي وإنذاره بسوء العقبى ، ويدعوه إلى اعداد ذرائع الدفاع لساعة يصيح فيها النفير . فلمّا اشتهر شأن جمال خشيت الحكومات الاستعمارية أمره وحسبت له الف حساب ، فنفته بحجة أنّه هائج المسلمين ، ولم تخف دولة جمالًا وتضطهده مثل ما خافته واضطهدته الدولة البريطانية ، فسجنته في الهند مدة ثم أطلقت سراحه . فجاء إلى مصر حوالي سنة 1880 وكانت له يد في الثورة العرابية التي أوقدت نارها في وجه الغربيين ، فلمّا أحتلّ الانكليز مصر سنة 1882 نفوا جمالًا للحال ، فترك مصر وأنشأ يسيح في مختلف البلدان حتى وصل إلى القسطنطينية ، فتلقّاه عبد الحميد بطل الجامعة الاسلامية بالمبرة والكرامة ، وقرّبه منه ورفع منزلته ، فسحر جمال السلطان الداهية بتوقّد ذكائه ، ونفسه الكبيرة ، فقلّده رياسة العمل في سبيل الدعوة للجامعة الاسلامية ، ويغلب أنّ ما ناله السلطان عبد الحميد من النجاح في سياسته في سبيل الجامعة الاسلامية إنّما كان على يد جمال‌الدين المتوقّد الهمة المشتعل العزم . والتحق جمال‌الدين بالرفيق الاعلى سنة 1896 شيخاً وعاملًا كبيراً في سبيل النهضة الاسلامية حتى النفس الأخير من أنفاسه . وقال الأمير شكيب فيما علّقه على كتاب حاضر العالم الاسلامي : السيد محمد بن صفتر - صوابه : صفدر - من أعاظم رجال الاسلام في القرن التاسع عشر ، كان بحسب رأي براون فيلسوفاً كاتباً خطيباً صحيفاً ، وقبل كل شيء كان رجلًا سياسياً يرى فيه مريدوه وطنياً كبيراً ، وأعداؤه مهيجاً خطيراً . وقد كان له تأثير عظيم في حركات الحرية والمنازع الشوروية التي جدت في العشرات الأخيرة من هذه السنين في الحكومات الاسلامية ، وكانت حركته ترمي إلى تحرير هذه الممالك من السيطرة الأوروبية وإنقاذها من استغلال الأجنبي ، والى ترقية شؤونها الداخلية بتأسيس إدارات حرة . وكذلك كان يفكّر في جمع هذه الحكومات بأجمعها ومن جملتها إيران الشيعية حول الخلافة الاسلامية لتتمكّن بذلك الاتحاد من منع التدخّل الأوروبي في أمورها ، فجمال‌الدين بقلمه ولسانه أصدق ممثل لفكرة الجامعة الاسلامية .